| 0 التعليقات ]

لقد نبغ في عصرنا جماعة من الغلمان؛ لا للإسلام نصروا، ولا للكفر كسروا، بل هم بأس وبلاء على الإسلام وأهله، قاموا بتجريح وتشريح علماء الأمة؛ فهتكوا أعراضهم وأدموا قلوبهم ورموهم بمنكر من القول عظيم. {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ} [سورة النور: 15].

فهم حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يطوف أحدهم على الشيخ فلان وينتقل إلى علان، يجلس عند هذا متسكعا وعند ذاك متسولا، ما حصل من العلم فقرة ولا ذاق من الأدب رتقة، ثم انطلق متبجحا أنه درس عند فلان وأجاز له علان، فبدأ جرحا بهؤلاء!! ثم انطلق يتطاول على أسياده من العلماء، ويناطح الجهابذة من الفقهاء، ويتمسح بقربه ودنوه من الأمراء.

فإن الخوف على الأمة من أولئك الذين لبسوا ثياب العلم الشرعي - وما هم من العلم الشرعي في شيء -، لهو الخوف الصادق على الأمة من الفساد والانحراف، ذلك بأن تصدُّر الجهال في حين فقد العلماء الصادقين المتمكنين بابٌ واسع للضلال والإضلال، وتزيي هؤلاء الأحداث بزي العلم الشرعي لهو من أخطر الأبواب.

وهذا ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم في قوله - كما في حديث عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا».

قال زيد بن وهب: سمعت ابن مسعود يقول: "إِنَّكُمْ فِي زَمَانٍ: كَثِيرٌ فُقَهَاؤه، قَلِيلٌ خُطَبَاؤه، قَلِيلٌ سُؤَّالُهُ، كَثِيرٌ مُعْطُوه، العَمَلُ فِيهِ قَائِدٌ للهوى. وَسَيأتي مِنْ بَعْدِكم زَمَانٌ: قَلِيلٌ فُقَهَاؤه، كَثِيرٌ خُطَبَاؤه، كَثِيرٌ سُؤَّالُهُ، قَلِيلٌ مُعْطُوه، الهوى فِيه قَائدٌ للعملِ، اعْلَمُوا أنَّ حُسْنَ الهدي، في آخِرِ الزَّمانِ، خَيْرٌ مِنْ بَعْضِ العَمَلِ". (1)

ولقد انتبه أهل العلم المخلصون لخطورة هذا الصنف من الناس على دين الأمة وعقيدتها ومصيرها، فقضوا بوجوب الحذر والتحذير منهم، وعدم الأخذ عنهم وإليك قول إمامين جليلين في هذا:

الأول: قول أبي بكر محمد بن الطيب الباقلاني -رحمه الله تعالى -: "اعلموا - رحمنا الله وإياكم - : أن أهل البدع والضلال من الخوارج والروافض والمعتزلة قد اجتهدوا أن يدخلوا على أهل السنة والجماعة شيئاً من بدعهم وضلالهم، فلم يقدروا على ذلك، لذب أهل العلم ودفع الباطل، حتى ظفروا بقوم في آخر الوقت ممن تصدى للعلم ولا علم له ولا فهم، ويستنكف ويتكبر أن يتفهّم وأن يتعلّم، لأنه قد صار متصدّراً معلماً بزعمه فيرى -بجهله- أن عليه في ذلك عارّا وغضاضة، وكان ذلك منه سببا -إلى ضلاله وضلال جماعته من الأمة" .اهـ. (2)

الثاني: قال الراغب الأصبهاني -رحمه الله تعالى- : لا شيء أوجب على السلطان من رعاية أحوال المتصدين للرياسة بالعلم، فمن الإخلال بها ينتشر الشر ويكثر الأشرار ويقع بين الناس التباغض والتنافر..... ولما ترشح قوم للزعامة في العلم بغير استحقاق، وأحدثوا بجهلهم بدعا استغنوا بها عامة، واستجلبوا بها منفعة ورياسة، فوجدوا من العامة مساعدة بمشاركتهم لهم، وقرب جوهرهم منهم، وفتحوا بذلك طرقا منسدة ورفعوا به ستورا مسبلة، وطلبوا منزلة الخاصة فوصلوها بالوقاحة وبما فيهم من الشره، فبدعوا العلماء وجهلوهم؛ اغتصابا لسلطانهم، ومنازعة لمكانهم، فأعزوا بهم أتباعهم حتى وطئوهم بأظلافهم وأخفافهم، فتولد بذلك البوار والجور العام والعار. أهـ (3)

وهذه فتنة هوجاء مطوية قد سبقهم إليها من طعن في أفاضل الأمة من الصحابة وأتباعهم من خير البرية، ولولا أني رأيت الطعن في كبار العلماء والعباد، ورؤوس الدعوة في هذه البلاد وغيرها من بلاد الإسلام على امتداد، ما طرقت هذا الباب، وخاصة أن التوجه لهذه الفتنة بدأ يزيد؛ وقد شارك فيها الأعمى والبليد، فأردت بيان خطرها وما ينجم في هذه الأمة من شررها.

فمن سمات أهل السنة والجماعة وعلامات أهل الأثر والإتباع؛ سلامة قلوبهم وألسنتهم للصحابة الأخيار، وحملة الشريعة الأتقياء الأبرار، والذب عن حرماتهم وأعراضهم من رموز الجراحين، وثلب العابثين، وألسنة الحاقدين، والزجر والتغليظ على من تعلق بخيوط الأوهام، وبات في أودية الظلام، فغمس لسانه في البهت والآثام، وسلب من الصحابة وأتباعهم العدالة، وجعلهم كسائر الأنام لهم مالهم وعليهم ما عليهم، فولغ في حرماتهم وأعراضهم وجمع مساويهم وعثراتهم.

وقد أنكر الإمام أحمد – رحمه الله – على من جمع الأخبار التي فيها طعن على بعض أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وغضب لذلك غضباً شديداً وقال: "لو كان هذا في أفناء الناس لأنكرته، فكيف في أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وقال: أنا لم أكتب هذه الأحاديث، قال المروذي: قلت لأبي عبد الله: فمن عرفته يكتب هذه الأحاديث الرديئة ويجمعها أيهجر؟ قال: نعـم، يستأهـل صاحب هـذه الأحـاديث الـرديئة الرجم" (4) (5).

وقد امتطى هذه الأخبار المروية في مساويهم دعاة الفتنة والضلالة، فاستخفوا بحرمات المؤمنين ووزراء رسول رب العالمين، فبسطوا ألسنتهم في تجريحهم والتشفي منهم بضروب من التطاول والقذف بالباطل، وهذا التربص منتهاه نزع الثقة عن خيار الأمة والتشكيك في أعمالهم وفتوحاتهم وعلومهم وعدالتهم، وقد مضت الأمة خياراً عن خيار على مدح الصحابة والثناء عليهم، وحسن الظن بهم والكف عن مساويهم وسوء الظن بهم.

فيا ويل من تعرض لهم بسوء وأوقد نار الفتنة وجرأ السفهاء والغوغاء على الوقيعة فيهم. عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» (6).

وقـال الإمام محمد بن صُبيح بن السماك (7): "علمت أن اليهود لا يسبون أصحاب موسى - عليه السلام - وأن النصارى لا يسبون أصحاب عيسى - صلى الله عليه وسلم – فما بالك يا جاهل سببت أصحـاب محمد – صلى الله عليه وسلم – وقد علمتُ من أين أُتيت، لم يشغلك ذنبك، أما لو شغلك ذنبك لخفتَ ربك، لقد كان في ذنبك شغل عن المسيئين فكيف لم يشغلك عن المحسنين، أما لو كنت من المحسنين لما تناولت المسيئين ولرجوت لهم رحمة أرحم الراحمين، ولكنك من المسيئين، فمن ثَّم عبت الشهداء والصالحين، أيها العائب لأصحاب محمد – صلى الله عليه وسلم – لو نمت ليلك وأفطرت نهارك؛ لكان خيرا لك من قيام ليلك وصوم نهارك مع سوء قولك في أصحاب محمد، فويحك! لا قيام ليلٍ ولا صوم نهار وأنت تتناول الأخيار، فأبشر بما ليس فيه البشرى إن لم تتب مما تسمع وترى ويـحك! هؤلاء شرفوا في أُحد وهؤلاء جاء العفو عن الله تعالى فيهم فقال: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ} [سورة آل عمران: 155]، فما تقول فيمن عفا الله عنه؟ وبمَ تحتج يا جاهل إلا بالجاهلين، شر الخلف خلفُ شتم السلـف، والله لواحد من السلف خير من ألف من الخلف" (8).

وقد اتفق أهل العلم على أنهم خير الناس بعد الأنبياء، فقد جاء في الصحيحين من طريق إبراهيم عن عبيدة عن عبدالله - رضي الله عنه - أن النبي – صـلى الله عليـه وسلم – قال: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ...» (9).

وأفضل الصحابة أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين وأدلة هذا كثيرة وعامة أهل العلم على هذا، وقد جعل الله جل وعلا بقاء الصحابة أمنة للأمة فإذا ذهب قرنهم وانقرض جيلهم حلت بمن بعدهم الفتن وظهرت البدع وفشا الجور والفساد فعَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ صَلَّيْنَا الْمَغْرِبَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قُلْنَا لَوْ جَلَسْنَا حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَهُ الْعِشَاءَ قَالَ فَجَلَسْنَا فَخَرَجَ عَلَيْنَا فَقَالَ: «مَا زِلْتُمْ هَا هُنَا»، قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّيْنَا مَعَكَ الْمَغْرِبَ ثُمَّ قُلْنَا نَجْلِسُ حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَكَ الْعِشَاءَ قَالَ: «أَحْسَنْتُمْ» أَوْ «أَصَبْتُمْ»، قَالَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَكَانَ كَثِيرًا مِمَّا يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: «النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ فَإِذَا ذَهَبَتْ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ» (10).

وهذا دليل على فضلهم وعظيم ما دفع الله بهم من البدع والفتن والجور والفساد، فلا جرم أن جعلهم الله وزراء نبيه وحزب خليله.

قال عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – : «إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ فَوَجَدَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ فَاصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ فَابْتَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ بَعْدَ قَلْبِ مُحَمَّدٍ فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ فَجَعَلَهُمْ وُزَرَاءَ نَبِيِّهِ يُقَاتِلُونَ عَلَى دِينِهِ فَمَا رَأَى الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ وَمَا رَأَوْا سَيِّئًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ سَيِّئٌ» (11).

عن عبد ربه قال: كنا عند الحسن في مجلس، فذكر كلاما، وذكر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "أولئك أصحاب محمد كانوا أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله عز وجل لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم، فإنهم كانوا ورب الكعبة على الهدي المستقيم".(12)

وقال الإمام ابن أبي حاتم – رحمه الله – : "فأما أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فهم الذين شهدوا الوحي والتنـزيل، وعرفوا التفسير والتأويل، وهم الذين اختارهم الله - عز وجل - لصحبة نبيه – صلى الله عليه وسلم – ونصرته، وإقامة دينه وإظهار حقه، فرضيهم له صحابة، وجعلهم لنا أعلاماً وقدوة، فحفظوا عنه – صلى الله عليه وسلم – ما بلغهم عن الله - عز وجل - وما سن وما شرع وحكم وقضى وندب وأمر ونهى وأدب، ووعوه وأتقنوه ففقهوا في الدين، وعلموا أمر الله ونهيه ومراده بمعاينة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ومشاهدتهم منه تفسير الكتاب وتأويله وتلقفهم منه واستنباطهم عنه، فشرفهم الله - عز وجل - بما مَنَّ عليهم وأكرمهم به من وضعه إياهم موضع القدوة، فنفى عنهم الشك والكذب والغلط والريبة والغمز وسماهم عدول الأمة، فقال - عز ذكره - في محكم كتابه: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [سورة البقرة: 143].

فـفسر النبي – صلى الله عليه وسلم – عن الله - عز ذكره - قوله: {وَسَطًا} قال: عدلاً، فكانوا عدول الأمة، وأئمة الهدى، وحجج الدين، ونقلة الكتاب والسنة. وندب الله -عز وجل - إلى التمسك بهديهم والجري على منهاجهم والسلوك لسبيلهم والإقتداء بهـم فقـال: {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى...} [سورة النساء: 115]".

وقال الإمام أبو نعيم الأصبهاني – رحمه الله – عن الصحابة: "سمحت نفوسهم – رضي الله عنهم – بالنفس والمال والولد والأهل والدار، ففارقوا الأوطان وهاجروا الإخوان وقتلوا الآباء والإخوان وبذلوا النفوس صابرين وأنفقوا الأموال محتسبين وناصبوا من ناوأهم متوكلين، فآثروا رضاء الله على الغناء، والذل على العز، والغربة على الوطن، هم المهاجرون الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون حقاً، ثم إخوانهم من الأنصار أهـل المواساة والإيثار، أعز قبائل العرب جاراً، واتخذ الرسول – عليه السلام - دارهم أمناً وقراراً، الأَعفّاء الصبر والأصدقـاء الزهر {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [سورة الحشر: 9].

فمن انطوت سريرته على محبتهم، ودان الله تعالى بتفضيلهم ومودتهم، وتبرأ ممن أضمر بغضهم، فهو الفائز بالمدح الذي مدحهم الله تعـالى فـقـال: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [سورة الحشر: 10].

فالصحابة - رضي الله عنهم - هم الذين تولى الله شرح صدورهم، فأنزل السكينة على قلوبهم وبشرهم برضوانه ورحمته فقال: {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ} [سورة التوبة: 21].

جعلهم خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويطيعون الله ورسوله، فجعلهم مثلاً للكتابين لأهل التوراة والإنجيل، خير الأمم أمته وخير القرون قرنه، يرفع الله من أقدارهم، إذ أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بمشاورتهم لما علم من صدقهم وصحة إيمانهم وخالص مودتهم ووفور عقلهم ونبالة رأيهم وكمال نصيحتهم وتبين أمانتهم رضي الله عنهم أجمعين (13).

وهذا محل اتفاق من أهل السنة فلا كان ولا يكون مثل الصحابة – رضي الله عنهم – في إمامتهم وفضلهم وسبقهم وعلو مقامهم بالأمر والنهي والعلم والدعوة إلى الله والجهاد في سبيله ولهذا قيل: "كل خير فيه المسلمون إلى يوم القيامة من الإيمان والإسلام والقرآن والعلم والمعارف والعبادات ودخول الجنة والنجاة من النار وانتصارهم على الكفار وعلو كلمة الله فإنما هو ببركة ما فعله الصحابة الذين بلغوا الدين وجاهدوا في سبيل الله، وكل مؤمن آمن بالله فللصحابة – رضي الله عنهم – الفضل إلى يوم القيامة" (14).

وقد قال تعالى – في فضلهم ومآلهم – {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [سورة التوبة: 100]، والمراد بالذين اتبعوهم بإحسان: هم الذين تأخر إسلامهم من الصحابة - رضي الله عنهم - قاله جماعة من أهل العلم.

ويؤيده ما قاله الحافظ العلائي رحمه الله: بأن الآيات كلها فيما يتعلق بالمتخلفين عن النبي صلى الله عليه وسلم من المنافقين في غزوة تبوك، فأتبع الله ذلك بفضيلة الصحابة الذين غزوا معه صلى الله عليه وسلم وقسمهم إلى السابقين الأولين ومن بعدهم، ثم أتبع ذلك بذكر الأعراب وأهل البوادي الذين في قلوبهم نفاق أو لم يرسخوا في الإسلام فقال تعالى: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ} [سورة التوبة: 101]، فدل على أن المراد بالذين اتبعوهم بإحسان هم بقية الذين تأخر إسلامهم، فشملت الآية جميع الصحابة (15).

فمن أعمل لسانه وسخر قلمه في الطعن فيهم أو رميهم بالنفاق أو شكك في إسلامهم وأورد الاحتمالات بدون بيان من الله ورسوله – صلى الله عليه وسلم – وبدون برهان قام عليه الدليل فقد ردَّ على الله خبره وافترى على هؤلاء الصحابة بهتاناً وإثماً مبيناً، ومثل هذا لا يصدر إلا ممن قلَّ دينه وعظم ظلمه واسودَّ قلبه وبلغ منه الجهل بالكتاب والسنة وسيرة القوم مبلغاً عظيماً، وقد قال شيخ الإسلام – رحمه الله- : "فالطلقاء الذين أسلموا عام الفتح مثل معاوية وأخيه يزيد وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية والحارث بن هشام وسهيل بن عمرو قد ثبت بالتواتر عند الخاصة إسلامهم وبقاؤهم على الإسلام إلى حين الموت" (16).

وقال - تعالى - في وصف المهاجـرين ومـدح الأنصار وذكـر مـن أسـلم بعدهم وسار على طريقتهم: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (9) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10)} [سورة الحشر: 8-10].

فاحفظ رعاك الله ثناء الله عليهم ورضاه عنهم، ولا يكن في قلبك غِل على أحد منهم فإن هذا من أعظم خبث القلوب، واستوص بهم خيراً ففي سبيل ذلك تهون الأرواح والدماء.

بخلاف محترف الطعن وسوء الظن، فقد اتعب نفسه وآذى غيره، فركض وراء السراب وطعن في بعضهم بشبهة أحاديث ضعيفة ومكذوبة وأخبار لها محامل حميدة فقلبها هفوات ومثالب، ونذر نفسه للوقيعة في هؤلاء الأجلاء.

وكذلك من تبعهم وسار على نهجهم من التابعين وتابعيهم ومن نحا نحوهم وسار على طريقتهم من علماء أهل السنة فهم خيرة أهل الأرض ومناراتها، فمن غمزهم وطعن فيهم وشوش عليهم له عظيم من الإثم وقسط من البغي.

ولقد دهش عقلي وتعطل فكري وأنا أرى هؤلاء أصحاب الفتنة الهوجاء بدءوا برؤوس السلف طعنا وهضما، وبأصول أهل السنة سلبا وهدما.

فهتك عرض المسلم والجناية عليه عظيم عند الله ورسوله والمؤمنين، وهو من كبائر الذنوب ومن التشبه بالمنافقين، وأعظم منه غمس الألسنة والأقلام في أهل العلم ومحاولة إسقاط قدرهم بأوهام من هنا وهناك، والإيغال بالدخول في نياتهم ومقاصدهم والصد عن سبيلهم والاستخفاف بحقوقهم.

قال الإمـام عبـد الله بن المبارك رحمـه الله: "مـن استخف بالعلماء ذهبت آخرته" (17).

وقال الإمام الطحاوي في عقيدته: "وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين أهل الخير والأثـر وأهـل الـفقه والنظر – لا يذكرون إلا بالجميل ومن ذكرهم بسوء فهو على غير سبيل" (18) .

وقال الحافظ ابن عساكر: "واعلم يا أخي - وفقنا الله وإياك لمرضاته وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته - أن لحوم العـلماء - رحمة الله عليهم - مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة؛ لأن الوقيعة فيهم بما هم منه براء أمره عظيم، والتناول لأعراضهم بالزور والافتراء مرتع وخيم، والاختلاق على من اختاره الله منهم لنعش العلم خلق ذميم" (19).

قال الشيخ بكر أبو زيد-حفظه الله تعالى- في كتابه (تصنيف الناس بين الظن) (20): قال أبو زرعة الرازي - رحمه الله تعالى - : "إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - فاعلم أنه زنديق؛ وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حق، والقرآن حق، وما جاء به حق، وإنما أدى إلينا ذلك كله الصحابة، وهؤلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا؛ ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة".

وقد أجرى العلماء هذا الحكم بمن قدح في أحد من حملة الشرع المطهر، علماء الأمة العاملين؛ لأن القدح بالحامل يفضي إلى القدح بما يحمله من رسالة البلاغ لدين الله وشرعه؛ ولهذا أطبق العلماء - رحمهم الله تعالى - على أن من أسباب الإلحاد: "القدح بالعلماء".

قال الدورقي - رحمه الله تعالى - : "من سمعته يذكر أحمد بن حنبل بسوء فاتهمه على الإسلام".

وقالها أحمد - رحمه الله تعالى - في حق يحيى بن معين، وقيلت في حق أبي زرعة، وعكرمة - رحم الله الجميع - .

قال سفيان بن وكيع: "أحمد عندنا محنة، من عاب أحمد فهو عندنا فاسق".

وقال أيضا: إن كشف الأهواء والبدع المضلة، ونقد المقالات المخالفة للكتاب والسنة، وتعرية الدعاة إليها, وهجرهم وتحذير الناس منهم، وإقصائهم، والبراءة من فعلاتهم، سنة ماضية في تاريخ المسلمين في إطار أهل السنة، معتمدين شرطي النقد: العلم، وسلامة القصد.

* فالعلم بثبوت البينة الشرعية والأدلة اليقينية على المدعى به، في مواجهة أهل الهوى والبدعة، ودعاة الضلالة والفتنة، وإلا كان الناقد ممن يقفو ما ليس له به علم. وهذا عين البهت والإثم.

ويرون بالاتفاق أن هذا الواجب من تمام النصح لله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - ولأئمة المسلمين وعامتهم. وهذا شرط القصد لوجه الله تعالى, وإلا كان الناقد بمنزلة من يقاتل حمية ورياء. وهو من مدرك الشرك في القصد.

وهذا من الوضوح بمكان مكين لمن نظر في نصوص الوحيين الشريفين، وسير الأئمة الهداة في العلم والدين.

ولا يلتبس هذا الأصل الإسلامي بما تراه مع بلج الصبح وفي غسق الليل، من ظهور ضمير أسود، وافد من كل فج، استبعد نفوسا بضراوة، أراه: "تصنيف الناس" وظاهرة عجيب نفوذها هي: "رمز الجراحين" أو: "مرض التشكيك وعدم الثقة" حمله فئام غلاظ من الناس يعبدون الله على حرف، فألقوا جلباب الحياء، وشغلوا به أغرارا، التبس عليهم الأمر فضلوا وأضلوا، فلبس الجميع أثواب الجرح والتعديل، وتدثروا بشهوة التجريح، ونسج الأحاديث، والتعلق بخيوط الأوهام، فبهذه الوسائل ركبوا ثبج التصنيف للآخرين؛ للتشهير, والتنفير, والصد عن سواء السبيل.

ومن هذا المنطلق الواهي, غمسوا ألسنتهم في ركام من الأوهام والآثام، ثم بسطوها بإصدار الأحكام عليهم، والتشكيك فيهم، وخدشهم، وإلصاق التهم بهم، وطمس محاسنهم، والتشهير بهم، وتوزيعهم أشتاتا وعزين:

في عقائدهم، وسلوكهم، ودواخل أعمالهم، وخلجات قلوبهم، وتفسير مقاصدهم، ونياتهم ... كل ذلك وأضعاف ذلك مما هنالك من الويلات، يجري على طرفي التصنيف: الديني، واللاديني.

فترى وتسمع رمي ذاك، أو هذا بأنه: خارجي. معتزلي. أشعري. طرقي. إخواني. تبليغي. مقلد متعصب. متطرف. متزمت. رجعي. أصولي.

وفي السلوك: مداهن. مراء. من علماء السلطان. من علماء الوضوء والغسل.

ومن طرف لا ديني: ماسوني. علماني. شيوعي. اشتراكي. بعثي. قومي. عميل.

وإن نقبوا في البلاد, وفتشوا عنه العباد، ولم يجدوا عليه أي عثرة، أو زلة، تصيدوا له العثرات، وأوجدوا له الزلات، مبنية على شبه واهية، وألفاظ محتملة.

أما إن أفلست جهودهم من كل هذا رموه بالأخرى فقالوا: متستر. محايد.

إلى غير ذلك من ضروب تطاول سعاة الفتنة والتفرق، وتمزيق الشمل والتقطع.

وقد جرت هذه الظاهرة إلى الهلكة في ظاهرة أخرى من كثرة التساؤلات المتجنية -مع بسمة خبيثة- عن فلان، وعلان، والإيغال بالدخول في نيته وقصده، فإذا رأوا (شيخا) ثنى ركبتيه للدرس، ولم يجدوا عليه أي ملحظ، دخلوا في نيته، وكيفوا حاله: ليبني نفسه، لسان حاله يقول: أنا ابن من فاعرفوني. ليتقمص شخصية الكبار. يترصد الزعامة.

وإن ترفقوا، وغلبهم الورع، قالوا: محترف بالعلم.

وإن تورع (الجراح) عن الجرح بالعبارة، أو استنفدها، أو أراد ما هو أكثر إيغالا بالجرح، سلك طريق الجرح بالإشارة أو الحركة، بما يكون أخبث وأكثر إقذاعا.

مثل: تحريك الرأس، وتعويج الفم، وصرفه، والتفاته، وتحميض الوجه، وتجعيد الجبين، وتكليح الوجه، والتغير، والتضجر.

أو يسأل عنه، فيشير إلى فمه، أو لسانه معبرا عن أنه: كذاب، أو بذيء.

ومثل: تقليب اليد، أو نفضها.

إلى غير ذلك من أساليب التوهين بالإشارة، أو التحريك.

ألا شلت تلك اليمين عند حركة التوهين ظلما.

وصدعت تلك الجبين عن تجعيدها للتوهين ظلما.

ويا ليت بنسعة من جلد، تربط بها تلك الشفة عند تعويجها للتوهين ظلما.

وقال أيضا: ومن آلأم المسالك، ما تسرب إلى بعض ديار الإسلام من بلاد الكفر من نصب مشانق التجريح للشخص الذي يراد تحطيمه والإحباط به بما يلوث وجه كرامته.

ويجري ذلك بواسطة سفيه يسافه عن غيره، متلاعب بدينه قاعد مَزْجَرَ الكلب النابح سافل في خلقه، ممسوخ الخاطر صفيق الوجه مغبون في أدبه وخلقه ودينه.

وقال أيضا: وإذا علمت فُشُوَّ ظاهرة التصنيف الغلابة، وإن إطفاءها واجب، فاعلم أن المحترفين لها سلكوا لتنفيذها طرقا منها:

* أنك ترى الجراح القصاب، كلما مر على ملأ من الدعاة اختار منهم (ذبيحا) فرماه بقذيفة من هذه الألقاب المرة، تمرق من فمه مروق السهم من الرمية, ثم يرميه في الطريق، ويقول: أميطوا الأذى عن الطريق، فإن ذلك من شعب الإيمان؟؟؟

* وترى دأبه التربص والترصد: عين للترقب وأذن للتجسس، كل هذا للتحريش، وإشعال نار الفتن بالصالحين وغيرهم.

* وترى هذا (الرمز البغيض) مهموما بمحاضرة الدعاة بسلسلة طويل ذرعها، رديء متنها، تجر أثقالا من الألقاب المنفرة، والتهم الفاجرة، ليسلكهم في قطار أهل الأهواء، وضلال أهل القبلة، وجعلهم وقود بلبلة، وحطب اضطراب وبالجملة فهذا (القطيع) هم أسوأ (غزاة الأعراض بالأمراض) والعض بالباطل في غوارب العباد والتفكه بها، فهم مقربون بأصفاد: الغل، والبغضاء، والحسد، والغيبة، والنميمة، والكذب، والبهت، والإفك، والهمز، واللمز، جميعها في نفاذ واحد.

إنهم بحق: (رمز الإرادة السيئة) يرتعون فيها بشهوة جامحة.

نعوذ بالله من حالهم، لا رعوا.

آثارها:
فيا لله كم لهذه: (الوظيفة الإبليسية) من آثار موجعة للجرّاح نفسه؛ إذ سلك غير سبيل المؤمنين. فهو لقيٍّ، منبوذ، آثم، جان على نفسه وخلقه ودينه وأمته.

من كل أبواب سوء القول قد أخذ بنصيب, فهو يقاسم القاذف، ويقاسم: البهات، والقتات، والنمام، والمغتاب، ويتصدر الكذابين الوضاعين في أعز شيء يملكه المسلم: (عقيدته وعرضه).

قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً} [سورة الأحزاب: 58].

وهذا البهت قد يوجب: (ردة) للقائل نفسه، كما لو قال لمن عمل بالإسلام: رجعي، متخلف، كما ترى تقريره في أبواب الردة من كتب الشريعة الحديثية والفقهية؛ ولهذا ألف ابن قطلوبغا، رسالة باسم: (من يكفر ولم يشعر).

وهذا أسوأ أثر على المتفكهين بهذه الظاهرة فضلا عن آثارها الأخرى عليه: منها سقوط الجراح من احترام الآخرين، وتقويمه بأنه خفيف, طيَّاش، رقيق الديانة، صاحب هوى، جره هواه وقصور نظره عن تمييز الحق من الباطل إلى مخاصمة المحق والهجوم عليه بغير حق.

بل وسوأة عظمى احتساب المبتلى هذا السعي بالفساد من الدين، وإظهاره بلباس الشرع المتين, والتلذذ بذكره، ونشره.

حقا لقد أتعب التاريخ، وأتعب نفسه، وآذى التاريخ، وآذى نفسه، فلا هو قال خيرا فغنم، ولا سكت فسلم.

وكم أورثت هذه التهم الباطلة من أذى للمكلوم بها من خفقة في الصدر، ودمعة في العين، وزفرات تظلُّم يرتجف منها بين يدي ربه في جوف الليل لهجا بكشفها، مادّاً يديه إلى مغيث المظلومين كاسر الظالمين.

والظالم يغط في نومه، وسهام المظلومين تتقاذفه من كل جانب، عسى أن تصيب منه مقتلا.

فيا لله: "ما أعظم الفرق بين من نام وأعين الناس ساهرة تدعو له, وبين من نام وأعين الناس تدعو عليه".

وكم جرت هذه المكيدة من قارعة في الديار، بتشويه وجه الحق، والوقوف في سبيله، وضرب للدعوة من حدثاء الأسنان في عظماء الرجال باحتقارهم وازدرائهم، والاستخفاف بهم وبعلومهم، وإطفاء مواهبهم، وإثارة الشحناء والبغضاء بينهم.
ثم هضم لحقوق المسلمين: في دينهم، وعرضهم.

وتحجيم لانتشار الدعوة بينهم، بل صناعة توابيت تقبر فيها أنفاس الدعاة ونفائس دعوتهم؟؟
انظر: كيف يتهافتون على إطفاء نورها، فالله حسبهم, وهو حسيبهم.

فإنك لو سألت: (الجراح) عن مستنده، وبينته على هذا (التصنيف) الذي يصك به العباد صك الجندل، لأفلت يديه، يقلب كفيه، متلعثما اليوم بما برع به لسانه بالأمس، ولوجدت نهاية ما لديه من بينات هي:

وساوس غامضة، وانفعالات متوترة، وحسد قاطع.

وتوظيف لسوء الظن، والظن أكذب الحديث.

هذا التصيد داء خبيث، متى ما تمكن من نفس أطفأ ما فيها من نور الإيمان، وصير القلب خرابا يبابا، يستقبل الأهواء والشهوات.

اعلم أن: "تصنيف العالم الداعية" - وهو من أهل السنة - ورميهُ بالنقائص: ناقض من نواقض الدعوة، وإسهام في تقويض الدعوة، ونكث الثقة، وصرف الناس عن الخير، وبقدر هذا الصد ينفتح السبيل للزائغين.

أسند البخاري في كتاب الشروط من صحيحه: قصة الحديبية ومسير النبي - صلى الله عليه وسلم - إليها وفيها:

وَسَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالثَّنِيَّةِ الَّتِي يُهْبَطُ عَلَيْهِمْ مِنْهَا بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ فَقَالَ النَّاسُ حَلْ حَلْ فَأَلَحَّتْ فَقَالُوا خَلَأَتْ الْقَصْوَاءُ خَلَأَتْ الْقَصْوَاءُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا خَلَأَتْ الْقَصْوَاءُ وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ».

قال الحافظ ابن حجر في فقه هذا الحديث: "جواز الحكم على الشيء بما عرف من عادته وإن جاز أن يطرأ غيره، فإذا وقع من شخص هفوة لا يعهد منه مثلها لا ينسب إليها، ويُرد على من نسبه إليها، ومعذرة من نسبه إليها ممن لا يعرف صورة حاله، لأن خلأ القصواء لولا خارق العادة لكان ما ظنه الصحابة صحيحاً، ولم يعاتبهم النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذلك لعذرهم في ظنهم" اهـ .

فقد أعذر النبي صلى الله عليه وسلم غير المكلف من الدواب باستصحاب الأصل، ومن قياس الأولى إذا رأينا عالماً عاملاً، ثم وقعت منه هنة أو هفوة، فهو أولى بالإعذار، وعدم نسبته إليها والتشنيع عليه بها - استصحاباً للأصل، وغمر ما بدر منه في بحر علمه وفضله، وإلا كان المعنف قاطعاً للطريق، ردءاً للنفس اللوامة، وسبباً في حرمان العالم من علمه، وقد نُهينا أن يكون أحدنا عوناً للشيطان على أخيه. فما ألطف هذا الاستدلال وأدق هذا المنزع، ورحم الله الحافظ الكناني ابن حجر العسقلاني، على شفوف نظره، وفقه نفسه، وتعليقه الحكم بمدركه.

قال الصنعاني - رحمه الله تعالى - : "وليس أحد من أفراد العلماء إلا وله نادرة ينبغي أن تغمر في جنب فضله وتجتنب" اهـ .

وقال أبوهلال العسكري: "ولا يضع من العالم الذي برع في علمه: زلة ٌ، إن كانت على سبيل السهو والإغفال، فإنه لم يعر من الخطأ إلا من عصم الله جل ذكره. وقد قال الحكماء: الفاضل من عُدت سقطاته، وليتنا أدركنا بعض صوابهم أو كنا ممن يميز خطأهم" اهـ .

وقد تتابعت كلمة العلماء في الاعتذار عن الأئمة فيما بدر منهم، وأن ما يبدو من العالم من هنات لا تكون مانعة للاستفادة من علمه وفضله.

فهذا الحافظ الذهبي - رحمه الله تعالى - يقول في ترجمة كبير المفسرين قتادة بن دعامة السدوسي المتوفى سنة 117 هـ رحمه الله تعالى بعد أن اعتذر عنه: "ثم إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه، وعلم تحريه للحق، واتسع علمه، وظهر ذكاؤه، وعرف صلاحه وورعه واتباعه، يغفر له زللة، ولا نضلله ونطرحه وننسى محاسنه، نعم: لا نقتدي به في بدعته وخطئه ونرجو له التوبة من ذلك" اهـ .

وقال أيضاً في دفع العتاب عن الإمام محمد بن نصر المروزي - رحمه الله تعالى - : "ولو أنا كلما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأ مغفوراً له قمنا عليه، وبدعناه وهجرناه، لما سلم معنا لا ابن نصر ولا ابن منده، ولا من هو أكبر منهما، والله هو هادي الخلق إلى الحق، وهو أرحم الراحمين، فنعوذ بالله من الهوى والفظاظة" اهـ .

وقال في ترجمة إمام الأئمة ابن خزيمة المتوفى سنة 311 هـ - رحمه الله تعالى: "وكتابه: في التوحيد. مجلد كبير. وقد تأول في ذلك حديث الصورة.

فليعذر من تأول بعض الصفات، وأما السلف فما خاضوا في التأويل، بل آمنوا وكفوا، وفوضوا علم ذلك إلى الله ورسوله، ولو أن كل من أخطأ في اجتهاده - مع صحة إيمانه وتوخيه لاتباع الحق - أهدرناه وبدعناه لقل من يسلم من الأئمة معنا. رحم الله الجميع بمنه وكرمه" اهـ .

وقال في ترجمة: باني مدينة الزهراء بالأندلس: الملك الملقب بأمير المؤمنين عبد الرحمن بن محمد صاحب الأندلس المتوفى سنة 350هـ: "وإذا كان الرأس عالي الهمة في الجهاد، احتملت له هنات، وحسابه على الله، أما إذا أمات الجهاد، وظلم العباد، وللخزائن أباد، فإن ربك لبالمرصاد" اهـ .

وقال في ترجمة: القفال الشاشي الشافعي المتوفى سنة 365 هـ - رحمه الله تعالى - : "قال أبو الحسن الصفار: سمعت أبا سهل الصعلوكي، وسُئل عن تفسير أبي بكر القفال، فقال: قدسه من وجه ودنسه من وجه، أي: دنسه من جهة نصره للاعتزال.

"قلت: قد مر موته، والكمال عزيز، وإنما يمدح العالم بكثرة ماله من الفضائل، فلا تدفن المحاسن لورطةٍ، ولعله رجع عنها. وقد يغفر له في استفراغه الوسع في طلب الحق ولاحول ولا قوة إلا بالله" اهـ .

وبعد أن ذكر بعض الهفوات لأبي حامد الغزالي المتوفى سنة 505 هـ - رحمه الله تعالى- قال:
"قلت: الغزالي إمام كبير، وما من شرط العالم أنه لا يخطئ" اهـ .

وقال أيضاً:
"قلت: مازال الأئمة يخالف بعضهم بعضاً، ويرد هذا على هذا، ولسنا ممن يذم العالم بالهوى والجهل" اهـ .

وقال ايضاً:
"فرحم الله الإمام أبا حامد، فأين مثله في علومه وفضائله، ولكن لا ندعي عصمته من الغلط والخطأ. ولا تقليد في الأصول" اهـ .

ونبه على حال مجاهد بن جبر فقال:
"قلت: ولمجاهد أقوال وغرائب في العلم والتفسير تُستنكر" اهـ .

وقال في ترجمة ابن عبد الحكم:
"قلت: له تصانيف كثيرة منها: كتاب في الرد على الشافعي. وكتاب أحكام القرآن. وكتاب الرد على فقهاء العراق. ومازال العلماء قديماً وحديثاً يرد بعضهم على بعض في البحث وفي التواليف، وبمثل ذلك يتفقه العالم، وتتبرهن له المشكلات، ولكن في زمننا قد يعاقب الفقيه إذا اعتنى بذلك لسوء نيته، ولطلبه للظهور والتكثر، فيقوم عليه قضاة وأضداد، نسأل الله حسن الخاتمة وإخلاص العمل" اهـ .

وفي ترجمة إسماعيل التيمي المتوفى سنة 535 هـ أنه قال: "اخطأ ابن خزيمة في حديث الصورة، ولا يطعن عليه بذلك بل لا يؤخذ عنه هذا فحسب.

قال أبو موسى - المديني - : أشار بهذا إلى أنه قل إمام إلا وله زلة، فإذا ترك لأجل زلته ترك كثير من الأئمة، وهذا لا ينبغي أن يفعل" اهـ .

فهذا الذهبي نفسه قد تكلم رحمه الله تعالى - في أن علوم أهل الجنة تسلب عنهم في الجنة ولا يبقى لهم شعور بشيء منها. وقد تعقبه العلامة الشوكاني في فتاواه المسماة: الفتح الرباني. وذكر إجماع أهل الإسلام على أن عقول أهل الجنة تزداد صفاءً وإدراكاً - لذهاب ما كان يعتريهم في الدنيا. وساق النصوص في ذلك. منها قوله تعالى {قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27)} [سورة يس: 26-27].

وهذا الإمام الحافظ ابن حبان المتوفى سنة 354 هـ رحمه الله تعالى فاه بقوله: النبوة العلم والعمل. فهُجر وحُكم عليه بالزندقة وكتب فيه إلى الخليفة فكتب بقتله.

لكن أنصفه المحققون من أهل العلم، فوجهوا قوله واستفادوا من علمه وفضله منهم: ابن القيم، والذهبي، وابن حجر في سواهم من المحققين.

ومما قاله الذهبي:
"قلت: وهذا أيضاً له محمل حسن، ولم يرد حصر المبتدأ في الخبر. ومثله: الحج عرفة، فمعلوم أن الرجل لا يصير حاجاً بمجرد الوقوف بعرفة، إنما ذكر مهم الحج، ومهم النبوة، إذ أكمل صفات النبي: العلم والعمل، ولا يكون أحد نبياً إلا أن يكون عالماً عاملاً. نعم النبوة موهبة من الله تعالى لمن اصطفاه من أولي العلم والعمل، لا حيلة للبشر في اكتسابها أبداً، وبها يتولد العلم النافع والعمل الصالح. ولا ريب أن إطلاق ما نقل عن أبي حاتم: لا يسوغ، وذلك نفسٌ فلسفي" اهـ .

وهذا العلامة أبو الوليد الباجي المالكي المتوفى سنة 474 هـ رحمه الله تعالى: افترع القول بارتفاع أمية النبي صلى الله عليه وسلم لقصة الحديبية، فقام عليه أهل عصره حتى حكموا بكفره.

وقال بعضهم فيه:
"عجبت ممن شرى دنياً بآخرة وقال إن رسول الله قد كتبا ثم تطامنت الفتنة"، وأوضح المحققون بأن واقعة الحديبية لا سبيل إلى إنكارها لثبوتها لكنها لا تنفي الأمية، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم بُعث في العرب وهم أمة أمية لا تكتب ولا تحسب ومع هذا يوجد فيهم من يكتب مثل كتاب الوحي - لكنهم على ندرة، ولم ينف هذا أمية أمته صلى الله عليه وسلم من العرب. حقق ذلك الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى في ترجمة الباجي من السير.

قد ترى الرجل العظيم يشار إليه بالعلم والدين، وقفز القنطرة في أبواب التوحيد على أصول الإسلام والسنة وجادة سلف الأمة، ثم يحصل منه هفوة، أو هفوات، أو زلة، أو زلات.

فلتعلم هنا: أنه ما كل عالم ولا داعية كذلك يؤخذ بهفوته، ولا يُتبع بزلته، فلو عُمل ذلك لما بقي معنا داعية قط، وكُلٌ رادٌ ومردُودٌ عليه، والعصمة لأنبياء الله ورسله.

نعم: يُنبه على خطئه، ولا يُجرم به، فيُحرمُ الناسُ من علمه ودعوته وما يحصل على يديه من الخير.

ومن جرم المخطئ في خطئه الصادر عن اجتهاد له فيه مسرحٌ شرعاً، فهو صاحب هوى يحمل التبعة مرتين:
تبعة التجريم، وتبعة حرمان الناس من علمه، بل عليه عدة تبعات معلومة لمن تأملها .أهـ

وكلام الشيخ وغيره في هذا يطول، وإن الطعن في الأخيار والأفاضل على مر التاريخ مشهود ومعروف، قد شحنت به الكتب وزكمت منه الأنوف، فلا غرو أن نرى هذا في زمن الفتن وقلة العلم، ولكن الخطأ هو سكوت أهل العلم طلبا للسلامة؛ وخاصة أن هؤلاء لهم ألسنة أشد من الحديد، وطول نفس لا ينقطع حتى ينقطع منهم حبل الوريد - فنسأل الله السلامة من كيدهم وشرهم وأن يعصمنا من الزلل والخطأ وأن يوفقنا لإتباع سنة نبينا صلى الله عليه وسلم ومن سار على نهجها- اللهم آمين.

---------------------------------------------

(1) رواه البخاري "الأدب المفرد" (789).

(2) الباقلاني "الإنصاف" ص114.

(3) فيض القدير (2/347).

(4) رواه الخلال في السنة (3/501) بسند صحيح.

(5) وانظر الشرح والإبانة لابن بطة ص (268-269) والحجـة في بيـان المحجة للإمام الأصبهاني (2/368-371) وشرح أصول اعتقاد أهل السنة للإمـام اللالكائي (7/1241-1270).

(6) رواه البخاري ومسلم.

(7) انظر ترجمته في تاريخ بغداد (5/368).

(8) رواه المعافى بن زكريا الجريري في كتابه الجليس الصالح (2/392) بأطول من هذا.

(9) البخاري (2652) ومسلم (2533).

(10) مسلم رقم (2531).

(11) رواه الإمام أحمد (1/379) من طريق عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش عن عبد الله وسنده حسن.

(12) الآجري في الشريعة (1161) وابن عبدالبر (2/97).

(13) الإمامة والرد على الرافضة (209-211).

(14) من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - ، وانظر طريق الهجرتين للإمام ابن القيم – رحمه الله – (ص 362).

(15) كتاب تحقيق منيف الرتبة لمن ثبت له شريف الصحبة ص 63.

(16) الفتاوى (4/466 ).

(17) سير أعلام النبلاء (8/408 _ 17/251).

(18) العقيدة الطحاوية (ص 58) بتعليق الشيخ الألباني رحمه الله.

(19) تبيين كذب المفتري (ص 49).

(20) من مجموعه "الردود" (400).



الشيخ صلاح الدين عبدالموجود







التعليقات : 0

إرسال تعليق


أخي الكريم، رجاء قبل وضع أي كود في تعليقك، حوله بهذه الأداة ثم ضع الكود المولد لتجنب اختفاء بعض الوسوم.
الروابط الدعائية ستحذف لكونها تشوش على المتتبعين و تضر بمصداقية التعليقات.

المشاركات الشائعة

انضم الى متابعينا